شهد الجنيه المصري استمرارًا في مكاسبه أمام الدولار الأمريكي، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ قرار التعويم في مارس 2024، وسط مؤشرات إيجابية تعكس تحسنًا في الأداء الاقتصادي المحلي وتراجعًا في قوة العملة الأمريكية عالميًا. يأتي ذلك في وقت تشهد فيه الأسواق الدولية تقلبات حادة نتيجة الإغلاق الحكومي الأمريكي وصعود العملات الرئيسية الأخرى أمام الدولار.
استمرار صعود الجنيه المصري
في التعاملات الأخيرة، حافظ الجنيه المصري على مكاسبه أمام الدولار، حيث بلغ أعلى سعر لصرف الدولار في بنك الإسكندرية نحو 47.50 جنيهًا للشراء و47.60 جنيهًا للبيع، بينما جاء أقل سعر في البنك المصري الخليجي عند 47.42 جنيهًا للشراء و47.52 جنيهًا للبيع.
أما لدى البنك المركزي المصري، فقد استقر سعر الصرف عند 47.43 جنيهًا للشراء و47.56 جنيهًا للبيع، في حين سجّل كل من البنك الأهلي المصري وبنك مصر والبنك العربي الأفريقي الدولي سعرًا موحدًا تقريبًا عند 47.48 جنيهًا للشراء و47.58 جنيهًا للبيع.
هذا الاستقرار عند مستويات مرتفعة للجنيه يعكس ثقة متزايدة في العملة المحلية بعد شهور من الإصلاحات النقدية والسياسات الاقتصادية التي تهدف إلى ضبط الأسواق وتحقيق توازن بين العرض والطلب على النقد الأجنبي.
أسباب قوة الجنيه
يعود صعود الجنيه المصري إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية والسياسية الإيجابية، من أبرزها:
- تراجع الدولار عالميًا نتيجة استمرار الإغلاق الحكومي الأمريكي، ما أدى إلى هبوط الطلب على العملة الخضراء وصعود العملات المنافسة.
- تحسن السيولة الدولارية في مصر بفضل زيادة تدفقات النقد الأجنبي من الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة، وكذلك من عائدات السياحة وتحويلات المصريين بالخارج.
- التزام الحكومة المصرية ببرنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، مما عزز ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية في الاقتصاد المصري.
- ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي بشكل متواصل، ما وفر دعماً قوياً للجنيه أمام العملات الأجنبية.
ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي
وفق بيانات البنك المركزي المصري، ارتفع احتياطي البلاد من النقد الأجنبي إلى 49.533 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، مقارنة بـ 49.25 مليار دولار في أغسطس الماضي، بزيادة بلغت 283 مليون دولار خلال شهر واحد فقط.
ويُعد هذا الارتفاع استمرارًا للاتجاه الصعودي الذي بدأ منذ أبريل 2025، حينما تجاوز الاحتياطي حاجز 48 مليار دولار لأول مرة في تاريخه، ليواصل بعد ذلك الارتفاع بشكل متدرج ومطّرد.
ويعكس هذا النمو في الاحتياطي الأجنبي نجاح السياسات النقدية المتبعة من البنك المركزي، والتي تركز على زيادة الإيرادات الدولارية من مصادر متعددة مثل الصادرات، والسياحة، والاستثمار الأجنبي المباشر، إلى جانب السيطرة على معدلات الاستيراد غير الضرورية.
استفادة الجنيه من تراجع الدولار عالميًا
يستفيد الجنيه المصري حاليًا من الضغوط التي يتعرض لها الدولار الأمريكي عالميًا بسبب الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة، وما تبعه من تباطؤ اقتصادي مؤقت وتراجع في ثقة المستثمرين. كما ساهمت التوقعات القوية بخفض الفائدة الأمريكية في تقليل جاذبية الدولار كملاذ استثماري، مما عزز الطلب على العملات الأخرى ومن ضمنها الجنيه المصري.
ويرى محللون أن التحسن النسبي للجنيه يعكس مزيجًا من العوامل الداخلية والخارجية، إذ تتزامن قوة العملة المحلية مع اتجاهات دولية تدفع المستثمرين إلى البحث عن بدائل أكثر استقرارًا من الدولار الأمريكي في الوقت الراهن.
مفاوضات صندوق النقد الدولي
على الصعيد الدولي، تواصل الحكومة المصرية تنسيقها مع صندوق النقد الدولي ضمن برنامج التمويل المتفق عليه، والذي يهدف إلى دعم استقرار الاقتصاد المصري وتعزيز النمو المستدام.
وكانت مصر قد تسلّمت في مارس الماضي نحو 1.2 مليار دولار عقب المراجعة الرابعة للاتفاق، بينما قرر الصندوق دمج المراجعتين الخامسة والسادسة، التي لم يُعلن بعد عن موعد إتمامهما.
ورغم عدم صدور بيانات جديدة من الصندوق حتى الآن، فإن المؤشرات الأولية تشير إلى تقدّم إيجابي في تنفيذ بنود الإصلاح، خصوصًا فيما يتعلق بتحرير السوق، وتحسين بيئة الاستثمار، وإعادة هيكلة منظومة الدعم الخاصة بالمحروقات والكهرباء.
إشارات إيجابية من القطاع الخاص والاستثمار
يتزامن تحسن الجنيه مع زيادة ملحوظة في الاستثمارات العقارية والصناعية، حيث أعلنت شركتا "دله البركة" و**"بالم هيلز"** عن تطوير مشروع عقاري ضخم شرق القاهرة بمبيعات متوقعة تتجاوز 30 مليار جنيه، وهو ما يعكس ثقة المستثمرين في استقرار السوق المصرية على المدى المتوسط والطويل.
كما شهدت قطاعات أخرى مثل الطاقة المتجددة والتكنولوجيا المالية تدفقات استثمارية جديدة، مدعومة بسياسات حكومية تشجع على الابتكار وتسهيل إجراءات الاستثمار.
تأثير الصعود على الأسعار والأسواق
من المتوقع أن يؤدي ارتفاع الجنيه إلى استقرار نسبي في أسعار السلع المستوردة خلال الفترة المقبلة، مما قد يسهم في خفض معدلات التضخم تدريجيًا بعد موجات الارتفاع السابقة.
ومع تحسن سعر العملة المحلية، تتراجع تكلفة الواردات على الشركات، ما ينعكس إيجابيًا على الأسعار النهائية للمستهلكين، خاصة في قطاعات مثل الغذاء والإلكترونيات والسيارات.
ومع ذلك، يحذر بعض الاقتصاديين من الإفراط في التفاؤل، مشيرين إلى أن استمرار قوة الجنيه يعتمد على استدامة تدفقات النقد الأجنبي وتحقيق توازن دائم بين الصادرات والواردات، إلى جانب إدارة رشيدة للدين الخارجي.
توقعات مستقبلية
تتوقع بنوك استثمار دولية استمرار استقرار الجنيه المصري في نطاق 47 إلى 48 جنيهًا للدولار خلال الربع الأخير من عام 2025، مع احتمالية تحسّن إضافي في حال استمرار تراجع الدولار عالميًا وتدفّق المزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى مصر.
كما من المرجح أن يواصل البنك المركزي سياسة الحفاظ على استقرار السوق النقدي دون اللجوء إلى تدخلات قوية، مع مراقبة دقيقة للتقلبات العالمية في أسعار النفط وأسعار الفائدة الأمريكية.
خلاصة
يعكس استمرار صعود الجنيه المصري نجاح السياسات الاقتصادية والنقدية التي تبنتها الحكومة خلال العامين الماضيين، إلى جانب التحسن الملحوظ في مؤشرات الاقتصاد الكلي. ومع تحسن الاحتياطي الأجنبي وعودة الثقة في السوق، يبدو أن الجنيه يستعيد جزءًا من قوته المفقودة بعد سنوات من الضغوط.
غير أن التحدي الأكبر يكمن في استدامة هذا التحسن، عبر زيادة الإنتاج والصادرات وتقليل الاعتماد على الواردات، بما يضمن بقاء الجنيه قويًا ومستقرًا أمام تقلبات الأسواق العالمية.
