تشير أحدث التوقعات الاقتصادية الصادرة عن استطلاع أجرته وكالة رويترز إلى أن الاقتصاد المصري مقبل على مرحلة من الانتعاش التدريجي خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بانخفاض معدلات التضخم، وتراجع أسعار الفائدة، وارتفاع الصادرات، إلى جانب تحسن أداء الجنيه المصري بعد الإجراءات الاقتصادية الجريئة التي اتخذتها الحكومة خلال العامين الماضيين.
نمو مستهدف يتجاوز 4% وسط استقرار مالي متوقع
ووفقًا لمتوسط تقديرات 16 خبيرًا اقتصاديًا شاركوا في الاستطلاع، من المتوقع أن يسجل الاقتصاد المصري نموًا بنسبة 4.6% خلال السنة المالية 2025-2026، مقارنة بنسبة 2.4% فقط في 2023-2024، وهي الفترة التي شهدت ضغوطًا اقتصادية كبيرة نتيجة تقلبات أسعار الصرف وارتفاع التضخم.
كما توقّع الخبراء أن يواصل الناتج المحلي الإجمالي تحسنه ليبلغ 4.9% في عام 2026-2027، وصولًا إلى 5.3% في 2027-2028، مدعومًا بتحسن بيئة الاستثمار وزيادة التدفقات المالية الأجنبية.
إصلاحات نقدية شاملة.. وأثر إيجابي للجنيه
يأتي هذا التحسن بعد سلسلة من الإجراءات الإصلاحية التي نفذتها مصر منذ مارس 2024، حيث قامت بتخفيض قيمة العملة المحلية بشكل كبير وتبنت سياسة نقدية أكثر مرونة، بالتزامن مع الحصول على حزمة دعم مالي بقيمة 8 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي.
وقد أسهم هذا التخفيض في زيادة إيرادات السياحة وارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج، ما دعم ميزان المدفوعات وساهم في تحسين القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق الخارجية.
تراجع التضخم وتحسن القدرة الشرائية
واحدة من أبرز الإشارات الإيجابية هي انخفاض التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 11.7% في سبتمبر 2025، وهو الشهر الرابع على التوالي الذي يشهد تراجعًا في الأسعار، مقارنة بذروة بلغت 38% في سبتمبر 2023.
ويتوقع الخبراء أن يواصل التضخم انخفاضه ليصل إلى 12.3% خلال السنة المالية 2025-2026، ثم 10.2% في 2026-2027، ليستقر عند 7.5% في 2027-2028، وهو ما يعني عودة الاستقرار السعري إلى المستويات المستهدفة من قبل البنك المركزي.
تراجع تدريجي في أسعار الفائدة
أما على صعيد السياسة النقدية، فقد توقع الاستطلاع أن تشهد أسعار الفائدة انخفاضًا تدريجيًا، حيث من المرجح أن تهبط فائدة الإقراض لليلة واحدة من 22% حاليًا إلى 16% بنهاية يونيو 2026، ثم إلى 13% في العام التالي، وصولًا إلى 11.25% في يونيو 2028.
ويُذكر أن البنك المركزي المصري كان قد خفّض أسعار الفائدة أربع مرات خلال عام 2025، بإجمالي 625 نقطة أساس، في خطوة تهدف إلى تشجيع الاستثمار وتخفيف الأعباء التمويلية على القطاع الخاص.
استثمارات أجنبية تدعم النمو
وتلقت مصر دفعة قوية في فبراير 2024 عبر استثمار عقاري ضخم بقيمة 35 مليار دولار من أبوظبي لتطوير منطقة رأس الحكمة على ساحل البحر المتوسط، ما ساهم في تعزيز ثقة المستثمرين الأجانب ودعم احتياطيات النقد الأجنبي.
كما تشير التقارير إلى أن قطاعي الصناعة والسياحة من أبرز المستفيدين من تحسن الأوضاع الاقتصادية، إلى جانب التوسع في الطاقة المتجددة والبنية التحتية، ما يفتح الباب أمام فرص عمل جديدة وتحسن مستويات المعيشة.
تحسن تدريجي في سعر صرف الجنيه
فيما يتعلق بسعر الصرف، يتوقع المحللون أن يشهد الجنيه المصري تراجعًا محدودًا ومتحكمًا فيه خلال الأعوام المقبلة، ليصل إلى 49.85 جنيهًا للدولار بنهاية يونيو 2026، مقارنة بـ47.50 جنيهًا حاليًا، على أن يصل إلى 52 جنيهًا في يونيو 2027، ثم 54 جنيهًا في 2028.
ويرى الخبراء أن هذا الانخفاض التدريجي سيكون ضروريًا للحفاظ على التنافسية التصديرية دون الإضرار بالاستقرار الاقتصادي العام.
توقعات بنمو متوازن ومستدام
بحسب مؤسسة كابيتال إيكونوميكس، فإن استمرار انخفاض التضخم وتبني سياسة نقدية أكثر مرونة سيقودان إلى تحسن ملحوظ في النشاط الاقتصادي، مشيرةً إلى أن مصر تسير نحو "مستوى أعلى من النمو المستدام" في ظل زيادة القدرة التنافسية لقطاعي التصدير والتصنيع المحلي.
وأضافت المؤسسة أن الإصلاحات الاقتصادية الأخيرة وضعت الأساس لمرحلة جديدة من الاستقرار المالي، مع تحسن مؤشرات الدين العام والعجز المالي.
التحديات لا تزال قائمة
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يؤكد المحللون أن الطريق ما زال يتطلب استمرار ضبط الإنفاق العام، وتحسين كفاءة الدعم، ودفع الإصلاحات الهيكلية التي تستهدف زيادة الإنتاجية وتوسيع قاعدة الصادرات.
كما تبقى تحديات الدين الخارجي ومعدلات البطالة من الملفات التي تتطلب متابعة دقيقة خلال الأعوام المقبلة، خاصة مع استمرار التقلبات في الأسواق العالمية.
نظرة مستقبلية متفائلة
بوجه عام، يعكس استطلاع رويترز تفاؤل المؤسسات الدولية بمستقبل الاقتصاد المصري، مع توقعات بأن تتحول السنوات الثلاث المقبلة إلى فترة استقرار ونمو حقيقي.
ويُتوقع أن تستفيد مصر من التحولات العالمية في سلاسل الإمداد، ومن موقعها الجغرافي المتميز كمركز لوجستي إقليمي، إلى جانب مشروعاتها الكبرى في مجالات النقل والطاقة والتصنيع.
إن التحول الذي بدأته مصر منذ عام 2024 يبدو أنه بدأ يعطي ثماره تدريجيًا، حيث يجتمع التحكم في التضخم، وتراجع الفائدة، وعودة الثقة الاستثمارية ليشكّلوا قاعدة صلبة تدفع نحو تحقيق نمو متوازن ومستدام، يعزز مكانة الاقتصاد المصري كأحد أبرز الاقتصادات الصاعدة في الشرق الأوسط وأفريقيا خلال العقد القادم.
