
في خطوة تُعدّ انتصارًا كبيرًا للخصوصية الرقمية، أصدرت قاضية أميركية حكمًا قضائيًا يمنع مجموعة "NSO" الإسرائيلية، المصنّعة لبرامج التجسس، من استهداف مستخدمي تطبيق واتساب حول العالم.
الحكم الذي صدر يوم الجمعة في الولايات المتحدة يُعتبر سابقة قانونية مهمة في مواجهة الشركات التي تُطور أدوات اختراق تُستخدم للتجسس على الصحفيين والنشطاء والمسؤولين.
ورغم أن القرار خفّض قيمة التعويضات التي كانت مقرّرة سابقًا من 168 مليون دولار إلى 4 ملايين دولار فقط، إلا أن الأهم هو المنع القانوني الصارم لأي محاولة مستقبلية لاستخدام أدوات المجموعة الإسرائيلية ضد واتساب أو مستخدميه.
تفاصيل الحكم: "سلوك يسبب ضررًا لا يمكن إصلاحه"
القاضية الأميركية فيلِس هاميلتون، التي أصدرت الحكم في ولاية كاليفورنيا، أكدت أن تصرفات مجموعة NSO تسببت في أضرار لا يمكن إصلاحها، نظرًا لطبيعة الهجمات الإلكترونية التي نفذتها الشركة، والتي تستهدف الخصوصية الفردية وتخترق الأنظمة دون إذن أو إشعار مسبق.
وفي نص الحكم، الذي اطّلعت عليه وكالة الصحافة الفرنسية (AFP)، قالت القاضية:
“خلصت المحكمة إلى أن سلوك المدعى عليهم يُسبب ضررًا لا يُمكن إصلاحه، ونظرًا لعدم وجود أي دليل على توقف هذا السلوك، فإن المحكمة تمنح شركة ميتا أمرًا قضائيًا دائمًا ضد مجموعة NSO.”
بموجب هذا القرار، لن تتمكن المجموعة الإسرائيلية من تطوير أو تشغيل أو بيع أي أدوات تجسس تستهدف واتساب أو أنظمة الاتصالات التابعة لشركة "ميتا" (فيسبوك، إنستغرام، ماسنجر).
رد واتساب: "انتصار للحرية الرقمية"
رحّب ويل كاثكارت، الرئيس التنفيذي لتطبيق واتساب، بالحكم القضائي، مؤكدًا أنه خطوة مهمة في سبيل حماية المستخدمين حول العالم من المراقبة غير القانونية.
وقال كاثكارت في بيان رسمي:
“هذا الحكم يمنع مجموعة NSO من استهداف واتساب ومستخدمينا مرة أخرى. إنه انتصار للحرية الرقمية بعد ست سنوات من التقاضي لمحاسبة الشركة على استهدافها أفراد المجتمع المدني.”
وأضاف أن واتساب ستواصل العمل لحماية خصوصية مستخدميها وتعزيز تقنيات التشفير التي تمنع أي طرف من اعتراض الرسائل أو الوصول إلى بيانات المستخدمين.
ما الذي فعلته "NSO" بالضبط؟
وفقًا لوثائق المحكمة، قامت مجموعة NSO بـ هندسة عكسية لشفرة تطبيق واتساب، ثم استخدمت هذه التقنية لتثبيت برامج تجسس خفية على هواتف المستخدمين دون علمهم.
كانت هذه البرامج قادرة على تشغيل الكاميرا والميكروفون والوصول إلى الصور، الرسائل، والمكالمات، مما جعل الهاتف يتحول فعليًا إلى جهاز تجسس متنقل.
التحقيقات أظهرت أيضًا أن الشركة عدّلت برامجها مرارًا لتجاوز تحديثات الأمان التي أصدرتها ميتا، وهو ما دفع الأخيرة إلى رفع الدعوى في عام 2019.
ووفق بيانات الدعوى، حاولت NSO اختراق ما يقرب من 1400 جهاز حول العالم في عملية واحدة، مستهدفة صحفيين، ومحامين، ونشطاء حقوق إنسان، ومسؤولين حكوميين.
"بيغاسوس".. البرنامج الأشهر في عالم التجسس
تُعد مجموعة NSO من أبرز الشركات العاملة في مجال تكنولوجيا المراقبة الحكومية.
تأسست عام 2010 في مدينة هرتسليا الإسرائيلية على يد "شاليف هوليو" و"عمري لافي"، وتشتهر بإنتاجها لبرنامج "بيغاسوس" (Pegasus)، أحد أخطر أدوات التجسس الإلكترونية في العالم.
يُمكن لبرنامج بيغاسوس – وفق تقارير أمنية وتقنية – أن:
- يُفعّل كاميرا الهاتف والميكروفون عن بُعد.
- ينسخ الرسائل والملفات المشفرة.
- يُتابع موقع المستخدم لحظة بلحظة.
- يخترق أنظمة أندرويد وiOS دون الحاجة لأي نقرة من المستخدم.
وقد ارتبط اسم “بيغاسوس” بسلسلة من الفضائح السياسية والأمنية، بعدما تم الكشف عن استخدامه في التجسس على شخصيات سياسية وصحفيين في أكثر من 40 دولة، منها المكسيك والهند والمغرب وفرنسا والسعودية والإمارات.
خلفيات الدعوى: من 2019 إلى الحكم في 2025
في عام 2019، رفعت شركة ميتا (فيسبوك سابقًا) دعوى قضائية ضد مجموعة NSO في محكمة اتحادية بولاية كاليفورنيا، بعد اكتشاف أن المجموعة استخدمت ثغرة في واتساب لاختراق مئات الأجهزة.
الدعوى تضمنت اتهامات خطيرة بـ:
- انتهاك قوانين الحماية الرقمية الأميركية (CFAA).
- تجاوز الأنظمة الأمنية بشكل متعمّد.
- الإضرار بسمعة واتساب وخرق الثقة العامة في تقنيات التشفير.
وفي وقت سابق من عام 2024، كانت هيئة المحلفين قد حكمت لصالح “ميتا” بتعويض قدره 168 مليون دولار، لكن القاضية هاميلتون خفّضت المبلغ إلى 4 ملايين فقط معتبرة أن السلوك، رغم خطورته، لا يرقى إلى "الفظاعة القصوى" التي تبرر العقوبة السابقة.
ومع ذلك، أكدت القاضية أن هذا الحكم لا يقلل من حجم الخطر الذي تمثله أدوات NSO، بل يهدف إلى وضع حد قانوني واضح لاستخدامها مستقبلًا ضد المدنيين.
حدود الأخلاق في التكنولوجيا: هل التجسس مبرر؟
تُصر مجموعة NSO على أن برامجها تُباع فقط إلى الحكومات “لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة”.
لكن الأدلة التي قدمتها منظمة العفو الدولية ومؤسسات صحفية عالمية، مثل Forbidden Stories وThe Guardian، أظهرت أن بيغاسوس استُخدم للتجسس على معارضين سياسيين وصحفيين، وليس فقط مجرمين.
هذا ما جعل من القضية رمزًا للصراع بين الأمن القومي والحرية الشخصية، إذ يرى الخبراء أن التكنولوجيا عندما تقع في الأيدي الخطأ، تتحول من أداة حماية إلى سلاح للانتهاك.
تداعيات الحكم على مستقبل التجسس الرقمي
هذا الحكم يُعتبر ضربة قوية لصناعة برامج المراقبة الإلكترونية حول العالم، حيث يُرسل رسالة واضحة مفادها أن القانون يمكنه الوصول إلى الشركات التقنية مهما كان نفوذها.
ومن المتوقع أن:
- تشدد الشركات التقنية الكبرى إجراءاتها الأمنية لمنع الاختراقات المماثلة.
- تُواجه NSO صعوبات قانونية وتجارية في الدول الغربية، خصوصًا بعد تزايد الدعوات لإدراجها على القوائم السوداء.
- يتزايد الضغط على الحكومات التي تستخدم أدوات تجسس لمراقبة المواطنين.
ردود الفعل الدولية
عدد من المنظمات الحقوقية رحّب بالقرار، ووصفته منظمة العفو الدولية بأنه:
“انتصار قانوني مهم لضحايا المراقبة غير القانونية حول العالم.”
أما منظمة “مراسلون بلا حدود”، فاعتبرت أن الحكم خطوة نحو إنهاء الإفلات من العقاب الذي تتمتع به شركات التكنولوجيا العاملة في مجال التجسس.
من جهة أخرى، لم تُصدر مجموعة NSO بيانًا رسميًا بعد الحكم، لكنها كانت قد نفت سابقًا ارتكاب أي مخالفات، مؤكدة أن منتجاتها “تُستخدم فقط بموجب تراخيص قانونية”.
استحواذ أميركي وتراجع الثقة
تزامن صدور الحكم مع تقارير صحفية أفادت بأن مجموعة استثمارية أميركية استحوذت مؤخرًا على حصة مسيطرة في شركة NSO، في محاولة لإعادة هيكلتها وتحسين صورتها في السوق العالمية.
لكن هذا الاستحواذ لم يُبدد المخاوف، إذ يرى خبراء الأمن أن سمعة NSO قد تضررت بشدة، وأن الحكومات والشركات أصبحت أكثر حذرًا في التعامل معها بعد تراكم القضايا والاتهامات.
خصوصيتك ليست خيارًا.. إنها حقّ
قضية واتساب ضد NSO لا تتعلق فقط بالتكنولوجيا، بل بمفهوم الخصوصية الإنسانية في العصر الرقمي.
ففي زمنٍ تُدار فيه حياتنا عبر الهواتف الذكية، يصبح اختراق الجهاز اختراقًا للعقل والمشاعر والعلاقات الشخصية.
ويُجمع المحللون على أن هذا الحكم قد يكون بداية لعصر جديد من الرقابة القانونية على تقنيات المراقبة، بحيث لا تبقى الخصوصية “ترفًا” بل حقًا أساسيًا تضمنه القوانين الدولية.
خلاصة
القرار الذي صدر في أكتوبر 2025 لا يُعد مجرد انتصار قضائي لشركة ميتا، بل تحول استراتيجي في معركة العالم ضد برامج التجسس.
لقد أرسل القضاء الأميركي رسالة واضحة:
“الخصوصية ليست قابلة للمساومة، والتكنولوجيا يجب أن تخدم الإنسان لا أن تتجسس عليه.”
وإذا كانت NSO قد خسرت المعركة، فإن العالم كسب خطوة نحو حماية حريته الرقمية في مواجهة أعينٍ خفية كانت ترى أكثر مما ينبغي.